حيدر حب الله

75

إضاءات في الفكر والدين والإجتماع

الكلام بها ؛ لأنها مهمّة جدّاً ، فمن يدخل الإسلام اليوم لن يرى بسهولة وضوح الحقّ وسط كلّ هذه الاختلافات بين المذاهب ، بل سيرى وضوح بعض الأمور ، لكن من الطبيعي أن تكون بعض الأمور الأخرى بحاجة لمزيد بحثٍ وتفتيش وتأمّل ، والمشكلة أنّنا نقيس مطلق الأمور الدينية على الأمور الفطريّة الجليّة الواضحة كوجود الله سبحانه ، فنتصوّر أنّ كلّ أمرٍ ديني هو واضح جليّ ؛ لأنّ المسألة الإلهيّة واضحة ، ولأنّ القرآن تعامل بوضوح مع أمّهات القضايا الإلهيّة . وإذا كان بإمكان العالم المسلم ادّعاء بداهة إعجاز القرآن ؛ لأنّ الأمر واضح عنده بعد النظر والبحث ، فإنّ العالم الشيعي يمكنه أيضاً وبنفس المنهجيّة الأيديولوجيّة أن يدّعي الوضوح في مقولاته الكلاميّة ، مقابل كلّ موجات التشكيك ، وهذا يعني أنّ هذا المدخل من الأساس خطأ ، وينبغي أن نستبعد مثل هذه المقولات ( وضوح الحقّ ، يمكن البرهنة عليه وحسم أمره بثلاث دقائق ، وإلا فهو ليس بحقّ لو احتاج إلى مقدّمات ) ، ونفتح أيّ موضوع كلامي - مهما كان واضحاً عند فلان أو آخر - على أنّه موضوعٌ بحثي يحتاج لوضعه على الطاولة بغية دراسته بدقّة وفق المعطيات المتوفّرة فيه ، وهذا لا يقف عند حدود الدين ، بل يشمل مختلف مساحات المعرفة الإنسانيّة ، والتي فيها ما هو واضح وما هو بحاجة لتجلية بما لا يرجع غموضه إلى تقصير الساحة الإلهيّة المقدّسة . 2 - لم يرسل الله الرسل ليبيّنوا للناس كلّ شيء ، بل أرسلهم ليبيّنوا للناس الدينَ والقيم وأصول العلاقة مع الله سبحانه ، وحتى لو سلّمنا ذلك - وليس الآن مجال بحثنا - فالقول بأنّ الله أرسل الأنبياء لتبيين كلّ شيء غير القول بأنّه أودع في كتبه كلَّ شيء ، فواقع اشتمال القرآن على كلّ شيء غير كون القرآن يبيّن كلّ شيء ؛ لأنّ البيان عبارة عن وجود الشيء في النصّ بطريقة خاصّة تجعله مبرزاً